صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

98

حركة الإصلاح الشيعي

من المدن المقدسة ؛ فقد كان طبيعيا لدى المعمّم الفتي أن يطمح في أن يتابع فيها طلب العلم . لأنه كان يعلم أن فيها سيفتح أمامه أفق آخر ، وأنه وإن كان عليه أن يمتحن من جديد وأن يبذل مجهودا أكبر في دراسته ؛ فإنه سوف يكافأ في المقابل . ويمكن تصور الأوصاف التي كان يسمعها ممن سبقه من العائدين من هناك : فالحنين إلى أجواء المدن المقدسة الشيعية وحلقات المجتهدين فيها مرفقا بالمبالغة في حبّ إظهار النفس ، كانت تنطقهم بخطب المديح الملهمة التي كانت تطلق أحلام كلّ من كان يطمح بالسفر إلى هناك . وكانت العقبة الأولى مالية ؛ فالسفر إلى النجف والإقامة فيها كانا مكلفين ولو أن الطالب حينما كان يستقر هناك ، كان بإمكانه الاعتماد على منح المجتهدين الكبار الذين كانوا يوزعون على طلابهم جزءا من أموال الزكاة والخمس التي يجمعونها من المؤمنين . ويروي محسن الأمين في سيرته مدى ما لاقاه من صعوبة ، على الرغم من أنه ينتمي إلى أسرة شهيرة من العلماء ، في تدبير الواجبات العائلية وفي جمع المبلغ المطلوب للسفر ؛ وبعد ذلك في النجف ، كيف كان ينتظر من أبيه مبلغا لم يصله قط ، وكيف اهتدى في نهاية الأمر إلى الوسائل لتأمين عيشه وعيش عياله « 105 » . وكانت بعض أسر العلماء أكثر تنظيما ، لكثرة ما كانوا يرسلون شبابهم للدراسة في النجف ، فكان لهم فيها شبكة من صلات القرابة تمد الوافد الجديد بالعون ، أو كان لهم بيت يأوي إليه طلابهم . وهذا ما كان من أمر السادة من آل إبراهيم على سبيل المثال « 106 » . ومتى ما اجتمع المبلغ المطلوب ، كان الطالب يتأهب للسفر برفقة صاحب له أو عدة أصحاب ؛ وكان هؤلاء الشباب يصطحبون زوجاتهم وأولادهم أحيانا ، إن كانوا متزوجين « 107 » . وإذ تأتلف الجماعة على هذا النحو فإنهم كانوا يقاسون في سفرهم المتاعب والاخطار قبل أن يصلوا إلى نهاية رحلتهم ، وكان معظمهم ممن لم يغادر جبل عامل قبل ذلك ، فكان ذلك بالنسبة إليهم اكتشافا حقيقيا للعالم ولا سيما أنهم كانوا يسلكون طرقا غير آمنة في غالب الأحيان ، ويتوقفون في مدن كبرى ويجتازون مواضع يجهلونها . والأعظم أنهم كانوا قد يتعرضون للمرض والحمىّ أو أنهم يقعون فريسة لقطاع الطرق والبدو . وعلى أحسن حال فإنهم كانوا ينهكون من التعب وينهب منهم بعض الموظفين الجشعين الفاسدين نقودهم ، رافضين أن يتركوهم يمرون قبل دفع المبلغ المعلوم . وينبغي لذلك قراءة محسن الأمين وهو يروي مراحل سفره إلى النجف سنة 1891 « 108 » ؛ فقد

--> ( 105 ) . محسن الأمين ، سيرته ، في مواضع متفرقة منها . ( 106 ) . علي إبراهيم ، المجلس الثقافي ، من دفتر الذكريات الجنوبية ، المجلد الأول 1981 . ص 42 . ( 107 ) . إذا ما رغبت أسرة الطالب أن يتزوج من عاملية أو من إحدى قريباته ، فإن من المصلحة أن تزوجه قبل رحيله ، وإلا فإنه قد يتزوج في أثناء اقامته في النجف . وهذا ما حصل لعبد الحسين شرف الدين الذي يقول : « ومقدمة لتلك الرحلة » فقد زوجوه من ابنة عمه . انظر بغية المجلد الثاني ص 65 . ( 108 ) . سيرته ص 91 - 106 .